سيد محمد طنطاوي
211
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : ينادى المنافقون المؤمنين نداء كله حسرة وندامة ، فيقولون لهم : ألم نكن معكم في الدنيا ، نصلى كما تصلون ، وننطق بالشهادتين كما تنطقون ؟ * ( قالُوا بَلى ) * أي : قال المؤمنون للمنافقين : بل كنتم معنا في الدنيا تنطقون بالشهادتين . * ( ولكِنَّكُمْ ) * في الدنيا * ( فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ) * أي : أظللتم أنفسكم بالنفاق الذي هو كفر باطن ، وإسلام ظاهر . * ( وتَرَبَّصْتُمْ ) * والتربص : الانتظار والترقب ، أي : وانتظرتم وقوع المصائب بالمؤمنين . * ( وارْتَبْتُمْ ) * أي : وشككتم في الحق الذي جاءكم به الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وأعرضتم عنه . * ( وغَرَّتْكُمُ الأَمانِيُّ ) * والأماني : جمع أمنية ، وهي ما يمنون به أنفسهم من الباطل . كزعمهم أنهم مصلحون ، وأنهم على الحق ، وأن المسلمين على الباطل . * ( حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّه ) * أي : بقيتم على الفتنة ، والارتياب ، والتربص ، والاغترار بالباطل ، حتى جاءكم أمر اللَّه ، وهو قضاؤه فيكم بالموت . * ( وغَرَّكُمْ بِاللَّه الْغَرُورُ ) * أي : وخدعكم في سعة رحمة اللَّه الشيطان . فأطمعكم بأنكم ستنجون من عقابه - تعالى - مهما فتنتم أنفسكم وتربصتم بالمؤمنين وارتبتم في كون الإسلام حق . وها أنتم الآن ترون سوء عاقبة نفاقكم ، وإصراركم على كفركم . * ( فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ ) * أيها المنافقون * ( فِدْيَةٌ ) * وهي ما يبذل من أجل افتداء النفس من العذاب . * ( ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * أي : ولا يؤخذ - أيضا - من الذين كفروا ظاهرا وباطنا فداء . * ( مَأْواكُمُ ) * جميعا * ( النَّارُ ) * . أي : المكان الذي تستقرون فيه ، هو النار . * ( هِيَ مَوْلاكُمْ ) * أي : هذه النار هي أولى بكم من غيرها . والأصل هي مكانكم الذي يقال فيه أولى بكم . ويجوز أن يكون المعنى : هذه النار : هي ناصركم ، من باب التهكم بهم ، على حد قول الشاعر : تحية بينهم ضرب وجيع . . . أي : لا ناصر لكم إلا النار . والمراد نفى الناصر لهم على سبيل القطع ، بعد نفى أخذ الفدية منهم . « 1 »
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 476 .